الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
87
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومن يهد الله فما له من مضل . ومن البديهي أن الضلالة لا تأتي من دون سبب ، وكذلك الهداية بل إن كل حالة منهما هي استمرار لإرادة الإنسان وجهوده ، فالذي يضع قدمه في طريق الضلال ، ويبذل أقصى جهوده من أجل إطفاء نور الحق ، ولا يترك أدنى فرصة تتاح له لخداع الآخرين وإضلالهم ، فمن البديهي أن الله سيضله ، ولا يكتفي بعدم توفيقه وحسب ، وإنما يعطل قوى الإدراك والتشخيص التي لديه عن العمل ، ويوصد قلبه الأقفال ويغطي عينيه بالحجب ، وهذه هي نتيجة الأعمال التي ارتكبها . أما الذين يعزمون على السير إلى الله سبحانه وتعالى بنوايا خالصة ، ويخطون الخطوات الأولى في هذا المسير ، فإن نور الهداية الإلهية يشع لينير لهم الطريق ، وتهب ملائكة الرحمن لمساعدتهم ولتطهير قلوبهم من وساوس الشياطين ، فتكون إرادتهم قوية ، وخطواتهم ثابتة ، واللطف الإلهي ينقذهم من الزلات . وقد وردت آيات كثيرة في القرآن المجيد كشاهد على تلك القضايا ، وما أشد جهل الذين فصلوا بين مثل هذه الآيات وبقية آيات القرآن واعتبروها شاهدا على ما ورد في المذهب الجبري ، وكأنهم لا يعلمون أن آيات القرآن تفسر إحداها الأخرى . بل إن القرآن الكريم بقول في نهاية هذه الآية : أليس الله بعزيز ذي انتقام وهو خير شاهد على هذا المعنى . وكما هو معروف فإن الانتقام الإلهي هو بمعنى الجزاء على الأعمال المنكرة التي اقترفها الإنسان ، وهذا يشير إلى أن إضلاله سبحانه وتعالى للإنسان هو بحد ذاته نوع من أنواع الجزاء ورد فعل لأعمال الإنسان نفسه ، وبالطبع فإن هدايته سبحانه وتعالى للإنسان هي بحد ذاتها نوع أنواع الثواب ، وهي رد فعل للأعمال الصالحة والخالصة التي يقوم بها الإنسان ( 1 ) . * * *
--> 1 - يقول الراغب في مفرداته : كلمة ( نقمة ) تعني العقوبة والجزاء .